فخر الدين الرازي
137
تفسير الرازي
من الإسرار ، والجمع بين الإسرار والجهار أغلظ من الجهار وحده ، فإن قيل : بم انتصب * ( جهاراً ) * ؟ قلنا : فيه وجوه أحدها : أنه منصوب بدعوتهم نصب المصدر ، لأن الدعاء أحد نوعيه الجهار ، فنصب به نصب القرفصاء بقعد لكونها أحد أنواع القعود وثانيها : أنه أريد بدعوتهم جاهرتهم وثالثها : أن يكون صفة لمصدر دعا بمعنى دعاء جهاراً ، أي مجاهراً به ورابعها : أن يكون مصدراً في موضع الحال أي مجاهراً . قوله تعالى : * ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ) * . قال مقاتل : إن قوم نوح لما كذبوه زماناً طويلاً حبس الله عنهم المطر ، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة ، فرجعوا فيه إلى نوح ، فقال نوح : استغفروا ربكم من الشرك حتى يفتح عليكم أبواب نعمه . واعلم أن الاشتغال بالطاعة سبب لانفتاح أبواب الخيرات ، ويدل عليه وجوه أحدها : أن الكفر سبب لخراب العالم على ما قال في كفر النصارى : * ( تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً * أن دعو للرحمن ولداً ) * ( مريم : 90 ، 91 ) فلما كان الكفر سبباً لخراب العالم ، وجب أن يكون الإيمان سبباً لعمارة العالم وثانيها : الآيات منها هذه الآية ومنها قوله : * ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات ) * ( الأعراف : 96 ) * ( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ) * ( المائدة : 66 ) * ( وألَّو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءاً غدقاً ) * ( الجن : 16 ) * ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب ) * ( الطلاق : 2 - 3 ) * ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك ) * ( طه : 132 ) وثالثها : أنه تعالى قال : * ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) * ( الذاريات : 56 ) فإذا اشتغلوا بتحصيل المقصود حصل ما يحتاج إليه في الدنيا على سبيل التبعية ورابعها : أن عمر خرج يستسقي فما زاد على الاستغفار ، فقيل له : ما رأيناك استسقيت ، فقال : لقد استسقيت بمجاديح السماء . المجدح ثلاثة كواكب مخصوصة ، ونوءه يكون عزيزاً شبه عمر إلا استغفاراً بالأنواء الصادقة التي لا تخطئ ، وعن بكر بن عبد الله : أن أكثر الناس ذنوباً أقلهم استغفاراً ، وأكثرهم استغفاراً أقلهم ذنوباً ، وعن الحسن : أن رجلاً شكا إليه الجدب ، فقال : استغفر الله ، وشكا إليه آخر الفقر ، وآخر قلة النسل ، وآخر قلة ريع أرضه ، فأمرهم كلهم بالاستغفار ، فقال له بعض القوم : أتاك رجال يشكون إليك أنواعاً من الحاجة ، فأمرتهم كلهم بالاستغفار ، فتلا له الآية ، وههنا سؤالات : الأول : أن نوحاً عليه السلام أمر الكفار قبل هذه الآية بالعبادة والتقوى والطاعة ، فأي فائدة في أن أمرهم بعد ذلك بالاستغفار ؟ الجواب : أنه لما أمرهم بالعبادة قالوا له : إن كان الدين القديم الذي كنا عليه حقاً فلم تأمرنا بتركه ، وإن كان باطلاً فكيف يقبلنا بعد أن